أحمد بن علي القلقشندي
434
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فيه ببدائع تقلع من قلب الصّبّ غمام غمومه . وفي ذلك قول بعضهم : أوقدت الظهيرة نارها ، وأذكت أوارها ، فأذابت دماغ الضّبّ ، وألهبت قلب الصّبّ ؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق ، إذا اشتعلت فيها نار الفراق ، حرّ تهرب له الحرباء من الشمس ، وتستجير بمتراكم الرّمس ؛ لا يطيب معه عيش ، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش ؛ فهو كالقلب المهجور ، أو كالتّنّور المسجور . ووصف بعضهم ، وهو ذو الرمّة ، حرّ هاجرة فقال : وهاجرة حرّها واقد نصبت لحاجبها حاجبي تلوذ من الشّمس أطلاؤها لياذ الغريم من الطَّالب وتسجد للشمس حرباؤها كما يسجد القسّ للرّاهب وقال سوّار بن المضرّس : وهاجرة تشتوى بالسّموم جنادبها ( 1 ) في رؤوس الأكم إذا الموت أخطأ حرباءها رمى نفسه بالعمى والصّمم وقال أبو العلاء المعريّ : وهجيرة كالهجر موج سرابها كالبحر ليس لمائها من طحلب واخى به الحرباء عودي منبر للظَّهر إلا أنه لم يخطب وقال آخر : وربّ يوم حرّه منضج كأنّه أحشاء ظمآن كأنّما الأرض على رضفة ( 2 ) والجوّ محشوّ بنيران وبالغ الأمير ناصر الدين بن الفقيسي ( 3 ) فقال من أبيات :
--> ( 1 ) جمع جندب ، وهو الذكر من الجراد ( اللسان : 1 / 257 ) . ( 2 ) الحجر الذي حمي بالشمس أو النار ، والجمع : « رضف » . ( اللسان : 9 / 221 ) . ( 3 ) هو الحسن بن شاور بن طرخان بن الحسن ابن النقيب الكناني المعروف بالفقيسي أو بابن الفقيسي . له شعر جيد عذب . توفي سنة 687 ه . ( فوات الوفيات : 1 / 324 ) .